ابن عربي

84

مجموعه رسائل ابن عربي

فرع من فروع العلم ، لأنها جامعة الروح التي لا تفرق بين ثقافة وثقافة ، فهي تشهد الكون من نقطة واحدة لا تفرقة فيها ، وهي أنهم كلهم صدروا عن علم الذات الأقدس ، ولا مشهد لهم في الكون كله من هذه النقطة إلّا هذا المشهد ، الذي لا خطأ فيه ولا عوج ، وهو أساس الوحدة الصوفية التي تختلف في منهجها وغاياتها من كل مذهب من مذاهب الوحدة العقلية . والصوفيون لا يغفلون الواقع ، ولا ينكرون التفاعل الظاهر في الكون ولكنهم يمدون عيونهم - وهم يفسرون تلك المظاهر - إلى مشهدهم المحبوب فيسيرون مع الأسباب سببا سببا حتى يصلوا إلى نفس النقطة التي نزلوا منها . وهكذا يترددون في رحلاتهم الروحية الهادئة الطاهرة ، ويترجمون مشاعرهم في كل خطوة . هذا الكتاب : وهذا الكتاب الذي بين أيدينا أحد الكتب التي ترجم فيها الشيخ الأكبر مشاهدة في منطقة الوحدة على النحو الذي أوضحناه ، ومشاهده في منطقة الأسباب القريبة المسماة عند الصوفية « بعالم الفرق الثاني » . والكشوفات العلمية الحديثة كلها تشكل المادة وتستنبط منها وتتحكم فيها ، وتطلقها في درجات مختلفة من القوة ، ولكن العلماء حينما أرادوا أن يفقهوا أسرارها بعقولهم أفلتت من أيديهم ، ولم يبق منها إلّا معادلة حسابية ولا شيء غير ذلك . والطاقة هي الأخرى - وهي الاسم الذي اصطلحوا على إطلاقه على اسم المادة بعد إفلاتها من أيديهم لم يستطيعوا لها فهما - تلك الطاقة هي الأخرى توشك أن تفلت من بين أيديهم ، ولذلك نجد الاتجاه المعملي للعلم يتجه إلى الروحانية في سباق مع الصوفية إذ أيد العلماء كثيرا من نظرياتهم عن طريق المعامل « 1 » . وتلك القفزة قفزها الصوفية في خلواتهم لا في معامل الكيمياء . في محاريبهم لا في مجال الجهد والأخطار ، في غمرة طهارة قلوبهم ، لا في حومة الحقد والبغضاء ، في نور الإخلاص والخير لا في لهب الغش والشر ، قصروا على أنفسهم الطريق لأنهم بدأوا معارفهم من عالم الوعي الروحي ، وبدأوا

--> ( 1 ) راجع عقائد المفكرين في القرن العشرين للمرحوم الأستاذ عباس العقاد .